محمد كرد علي

67

خطط الشام

كما كانت حلب على عهد سيف الدولة بن حمدان كعبة أدب . ويقال : إنه كان في طرابلس في ذاك القرن عدة مدارس وخزائن كتب لم يبلغنا خبرها . وعلى هذا فالمدارس في الإسلام نشأت في أواخر القرن الرابع وعرفت جيدا في الخامس والسادس . ونقصد بالمدارس تلك الدور المنظمة التي يأوي إليها طلاب العلم ، وتدر عليهم المعاليم والأرزاق ، ويتولى تدريسهم وتثقيفهم فئة صالحة من المدرسين والعلماء ، وهم موسع عليهم في الرزق ، يختارون بحسب شروط الواقف ممن يحسنون القيام بالغرض الذي ندبوا للدعوة إليه ، ويجازون بما تعلموا من ضروب المعارف الآلهية والبشرية . ولقد كان من نور الدين محمود بن زنكي لما استولى على الشام همة عظيمة في إنشاء المدارس لأهل السنة والجماعة كما أنشأ القائد جوهر الأزهر في القاهرة ، والقاضي ابن عمار دار الحكمة في طرابلس لبث التشيع ، وأخذ نور الدين يستدعي فحول العلماء من الأقطار ويبني لهم المدارس ويدر عليهم المشاهرات حتى قالوا : إن الشام أصبح على عهده مقر العلماء والفقهاء والصوفية . بنى سنة ( 545 ) في حلب المدرسة العصرونية واستدعى لها من سنجار شرف الدين بن أبي عصرون من أعيان فقهاء عصره وبنى له مدرسة بمنبج وأخرى بحماة وثالثة في حمص ورابعة ببعلبك وخامسة بدمشق ، وفوض إليه أن يولي التدريس فيها من يشاء . وبنى لقطب الدين النيسابوري المدرسة العادلية بدمشق ولم يتمها . وأول مدرسة بنيت في حلب أنشأها بدر الدولة أبو الربيع سليمان ابن عبد الجبار بن أرتق صاحب حلب سنة عشر وخمسمائة وسميت المدرسة الزجاجية . وأول ما عرف من المدارس في القدس ما بناه صلاح الدين يوسف ابن أيوب ونسب إلى جماعته . وقد ذكر الرحالة ابن جبير الذي زار دمشق في سنة ثمانين وخمسمائة أنه كان فيها نحو عشرين مدرسة تقوم بالإنفاق على من يدخل فيها للتعليم والاستفادة . وقال : إن هذه المارستانات مفخر عظيم من مفاخر الإسلام والمدارس كذلك وأن الرباطات قصور مزخرفة . وقال في كلامه على مشاهد دمشق : ولكل مشهد من هذه المشاهد أوقاف معينة من بساتين وأرض بيضاء ورباع حتى : إن البلدة تكاد الأوقاف تستغرق جميع ما فيها وكل مسجد يستحدث